أبو الليث السمرقندي
230
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
بعد الكفر ، وأصلحوا أعمالهم بالتوبة . ويقال : أصلحوا لمن أفسدوا من الناس فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لما كان منهم في الكفر رحيم بهم بعد التوبة . قال الكلبي ومقاتل لما نزلت هذه الآية ، أي الرخصة بالتوبة ، كتب أخو الحارث بن سويد ، إلى الحارث : إن اللّه قد عرض عليكم التوبة ، فرجع وتاب . وبلغ ذلك إلى أصحابه الذين بمكة ، فقالوا : إن محمدا تتربص به ريب المنون . فقالوا : نقيم بمكة على الكفر ، متى بدا لنا الرجعة رجعنا ، فينزل فينا ما نزل في الحارث ، فتقبل توبتنا فأنزل اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً أي ثبتوا على كفرهم بقولهم : نقيم بمكة ما بدا لنا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ما أقاموا على الكفر . قال الزجاج : كانوا كلما نزلت آية كفروا بها ، فكان ذلك زيادة كفرهم . وقوله : لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ، أي توبتهم الأولى ، وحبط أجر عملهم . ويقال : لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ، معناه أنهم لن يتوبوا . كما قال : وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ [ سورة البقرة : 48 ] ، أي لا يشفع لها أحد ، ثم قال تعالى : وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ عن الإسلام ، وهم الذين لم يتوبوا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ قال الكلبي : يعني وزن الأرض ذهبا . وقال مقاتل : إن الكافر إذا عاين النار في الآخرة ، يتمنى أن يكون له الأرض ذهبا ، فيقدر على أن يفتدي به نفسه من العذاب ، لافتدى به ولو افتدى به ما تقبل منه ، أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ، ونظيرها في سورة المائدة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ [ المائدة : 36 ] . قوله تعالى : أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ الآية . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 92 ] لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 92 ) لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قال ابن عباس في رواية أبي صالح أنه قال لن تنالوا ما عند اللّه من ثوابه في الجنة ، حتى تنفقوا مما تحبون ، أي حتى تخرجوا أموالكم طيبة بها أنفسكم . وقال مقاتل : يعني لن تنالوا التقوى ، حتى تنفقوا مما تحبون من الصدقة ، أي بعض ما تحبون من الأموال وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ يعني الصدقة وصلة الرحم فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي لا يخفى عليه ، فيثيبكم عليه . ويقال : لن تنالوا البر حتى تستكملوا التقوى . ويقال : لا تكونوا بارين ، حتى تنفقوا مما تحبون ، أي من الصدقة ، أي بعض ما تحبون من الأموال . وروي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يشتري أعدالا من السّكّر ، ويتصدق بها . فقيل له : هلا تصدقت بثمنه ؟ فقال : لأنّ السّكّر أحبّ إليّ ، فأردت أن أتصدق مما أحب . وروي عن عبد اللّه بن عمر أنه اشترى جارية جميلة ، وكان يحبها ، فمكثت عنده أياما ، ثم أعتقها وزوجها من رجل ، فولد لها ولد ، فكان يأخذ ولدها ، ويضمّه إلى نفسه . ويقول : أشم منك ريح أمك . فقيل له : قد رزقك اللّه من حلال ، وأنت تحبها ، فلم تركتها ؟ فقال : ألم